الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

52

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأصل في الترتيب الذكري أن يدلّ على التّرتيب الوجودي ، فالأرجل يجب أن تكون مغسولة ؛ إذ حكمة الوضوء وهي النّقاء والوضاءة والتنظّف والتأهّب لمناجاة اللّه تعالى تقتضي أن يبالغ في غسل ما هو أشدّ تعرّضا للوسخ ؛ فإنّ الأرجل تلاقي غبار الطرقات وتفرز الفضلات بكثرة حركة المشي ، ولذلك كان النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم يأمر بمبالغة الغسل فيها ، وقد نادى بأعلى صوته للذي لم يحسن غسل رجليه « ويل للأعقاب من النّار » . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف - بخفض - وَأَرْجُلَكُمْ . وللعلماء في هذه القراءة تأويلات : منهم من أخذ بظاهرها فجعل حكم الرجلين المسح دون الغسل ، وروي هذا عن ابن عبّاس ، وأنس بن مالك ، وعكرمة ، والشعبي ، وقتادة . وعن أنس بن مالك أنّه بلغه أنّ الحجّاج خطب يوما بالأهواز فذكر الوضوء فقال : « إنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما » فسمع ذلك أنس بن مالك فقال : صدق اللّه وكذب الحجّاج قال اللّه تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ . ورويت عن أنس رواية أخرى : قال نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل ، وهذا أحسن تأويل لهذه القراءة فيكون مسح الرجلين منسوخا بالسّنة ، ففي الصحيح أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم رأى قوما يتوضّئون وأعقابهم تلوح ، فنادى بأعلى صوته « ويل للأعقاب من النّار » مرّتين . وقد أجمع الفقهاء بعد عصر التّابعين على وجوب غسل الرجلين في الوضوء ولم يشذّ عن ذلك إلّا الإمامية من الشيعة ، قالوا : ليس في الرجلين إلّا المسح ، وإلّا ابن جرير الطبري : رأى التخيير بين الغسل والمسح ، وجعل القراءتين بمنزلة روايتين في الإخبار إذا لم يمكن ترجيح إحداهما على رأي من يرون التخيير في العمل إذا لم يعرف المرجّح . واستأنس الشعبي لمذهبه بأنّ التيمّم يمسح فيه ما كان يغسل في الوضوء ويلغى فيه ما كان يمسح في الوضوء . ومن الذين قرءوا - بالخفض - من تأوّل المسح في الرجلين بمعنى الغسل ، وزعموا أنّ العرب تسمّي الغسل الخفيف مسحا وهذا الإطلاق إن صحّ لا يصحّ أن يكون مرادا هنا لأنّ القرآن فرّق في التعبير بين الغسل والمسح . وجملة وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا - إلى قوله - وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مضى القول في نظيره في سورة النّساء بما أغنى عن إعادته هنا . وجملة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ تعليل لرخصة التيمّم ، ونفي الإرادة هنا كناية عن نفي الجعل لأنّ المريد الّذي لا غالب له لا يحول دون إرادته عائق .